العادات والتقاليد في الأردن بين الماضي والحاضر… تحوّل في الشكل وثبات في القيم
يشكّل الأردن نموذجًا لافتًا في قدرته على الموازنة بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر، إذ ما زالت العادات والتقاليد تشكّل جزءًا راسخًا من هوية المجتمع، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتسارعة التي شهدتها البلاد. وبين الأمس واليوم، يبرز تساؤل حول حجم التغيّر الذي طرأ على عادات الأردنيين، ومدى استمرار الروح التقليدية في تفاصيل الحياة المعاصرة.
ملامح العادات والتقاليد في الماضي
في الماضي، اتسمت الحياة في الأردن بالبساطة والاعتماد الكبير على الترابط الاجتماعي، سواء في البادية أو الريف أو المدن الصغيرة. وكانت الأسرة الممتدة تشكّل الوحدة الأساسية للمجتمع، حيث يعيش أفراد العائلة الواحدة في محيط مشترك ويتقاسمون المسؤوليات.
وبرز التكافل الاجتماعي من خلال مفاهيم راسخة، أبرزها “الفزعة”، ومساعدة الجار، والوقوف إلى جانب المحتاج دون انتظار مقابل. كما شكّل الكرم والضيافة قيمة مركزية، تجسّدت في تقديم القهوة العربية والطعام للضيف مهما كانت الإمكانات. وفي البادية، كان الالتزام بالعادات القبلية والعرف العشائري يشكّل مرجعية اجتماعية أساسية، إلى جانب انتشار الملابس التقليدية، مثل الثوب المطرّز للنساء، والشماغ والعقال للرجال.
وكانت المناسبات الاجتماعية، كالأعراس والصلح العشائري، تُقام بروح جماعية واسعة، يشارك فيها الجميع، ما عزّز الشعور بالانتماء والوحدة الاجتماعية.
تحوّلات الحاضر الاجتماعية والثقافية
ومع تطور الدولة الحديثة، وانتشار التعليم، ووسائل الاتصال، والتحوّل نحو الحياة المدنية، شهد المجتمع الأردني تغييرات واضحة. من أبرزها الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وتغيّر أنماط المعيشة مع الهجرة من الريف والبادية إلى المدن.
كما أثّرت العولمة في أنماط اللباس، واللغة اليومية، والعادات الغذائية، إلى جانب تطور دور المرأة في التعليم وسوق العمل والمشاركة في الحياة العامة. وأسهم تسارع وتيرة الحياة الحديثة في اختصار الكثير من المناسبات الاجتماعية، من حيث الوقت والشكل.
ورغم هذه التحولات، لم تختفِ العادات والتقاليد، بل أعيد تشكيلها بما يتلاءم مع متطلبات العصر.
استمرار القيم رغم التغيّر
ورغم مظاهر الحداثة، ما زالت العديد من العادات الأردنية حاضرة بقوة في الحياة اليومية، إذ ما زالت القهوة العربية رمز الترحيب الأول، والمنسف الطبق الرئيس في المناسبات الكبرى، كما لا تزال الجاهات العشائرية حاضرة في الزواج والصلح.
ويحافظ الأردنيون على ارتداء اللباس التقليدي في المناسبات الوطنية والأفراح، إلى جانب استمرار قيم احترام الكبار وتوقيرهم كجزء أساسي من التربية الاجتماعية، ما يؤكد أن التغيّر لم يكن قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا له بصيغة حديثة.
قراءة في الفروق بين الأمس واليوم
ويمكن القول إن الاختلاف بين الماضي والحاضر في الأردن يتركّز في الشكل أكثر من الجوهر، إذ تغيّرت الوسائل وتسارعت وتيرة الحياة وتنوّعت مصادر التأثير الثقافي، بينما بقيت القيم الأساسية ثابتة، وفي مقدمتها الانتماء للوطن، والاعتزاز بالهوية، والتضامن الاجتماعي.
وبين بيوت الطين القديمة وناطحات المدن الحديثة، وبين القهوة المعدّة على الحطب والقهوة السريعة، تستمر العادات والتقاليد كخيط يربط الأجيال ببعضها، ليبقى الأردن مثالًا لمجتمع يعرف كيف يتطوّر ويواكب العصر، دون أن يفقد ذاته أو يتخلّى عن جذوره الأصيلة.
⬅ العودة إلى القصص الصحفية