مونديال العرب 2025: ملحمة لوسيل التي أعادت صياغة الهوية الكروية
لم يكن الثامن عشر من ديسمبر 2025 مجرد يومٍ عادي في رزنامة الكرة العربية؛ ففي ليلةٍ ماطرة تحت أضواء استاد لوسيل الأيقوني، تعانق التاريخ مع الحاضر ليعلن عن فصلٍ جديد من فصول كأس العرب. هذه البطولة التي انطلقت خجولة من بيروت عام 1963، تحولت اليوم تحت عباءة الفيفا إلى مونديالٍ مصغر، يختزل في طياته أحلام الشعوب من المحيط إلى الخليج، ويؤكد أن كرة القدم في هذه البقعة من العالم لم تعد مجرد لعبة، بل هي لغة مشتركة للتفوق والطموح. وتستند هذه البطولة إلى تاريخ ضارب في الجذور؛ فمنذ تتويج تونس بأول لقب في الستينيات، تعاقبت الأجيال لترسم خارطة القوى الكروية، حيث يظل المنتخب العراقي هو الحارس الأمين لتاريخ المسابقة بأربعة ألقاب، بينما تتقاسم قوى أخرى مثل السعودية ومصر والجزائر أمجاداً لا تُنسى. وفي نسخة 2025، كان التحدي هو الحفاظ على هذا الإرث في مواجهة ثورة كروية شاملة، حيث لم يعد هناك مكان للمنتخبات الصغيرة، بل بات الميدان ملكاً لمن يملك النفس الأطول والتنظيم الأدق.
لقد كان الطريق إلى نهائي لوسيل محفوفاً بالمفاجآت؛ فبينما ودعت الجزائر حاملة لقب 2021 البطولة من ربع النهائي، شق أسود الأطلس طريقهم بثبات وقوة دفاعية مذهلة، في حين كان المنتخب الأردني الحصان الأسود الذي أبهر النقاد بكرة قدم هجومية وجرأة تكتيكية أطاحت بقوى عريقة. والمباراة النهائية بحد ذاتها كانت قصيدة كروية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بدأت بهدف مغربي سينمائي من أسامة طنان من منتصف الملعب، ليرد عليه النجم الأردني علي علوان بثنائية قلبت الموازين، قبل أن يظهر عبد الرزاق حمد الله في اللحظات القاتلة ليعيد المغرب للمباراة ويحسم اللقب في الأشواط الإضافية بنتيجة 3-2، مؤكداً علو كعب المدرسة المغربية التي باتت نموذجاً في الاحتراف.
وبعيداً عن المستطيل الأخضر، أثبتت قطر مرة أخرى أن معايير استضافة البطولات في المنطقة قد بلغت عنان السماء، بمشاركة 16 منتخباً وبحضور جماهيري غفير قدم دروساً في الروح الرياضية والتلاحم. لم يكن المشهد مقتصرأً على منصة التتويج، بل كان في دموع النشامى الذين نالوا احترام الجميع بصفتهم الوصيف المكافح، وفي احتفالات الأسود الذين استعادوا العرش العربي للمرة الثانية في تاريخهم، وفي الأداء المشرّف لمنتخبات مثل الإمارات والسعودية. إن كأس العرب 2025 لم تكن نهاية المطاف، بل هي محطة تزودت منها المنتخبات بالثقة قبل معترك كأس العالم 2026، حيث غادر الجميع الدوحة برسالة واحدة: أن الكرة العربية لم تعد تكتفي بالتمثيل المشرف، بل باتت تملك الأدوات والروح لتكون رقماً صعباً على الخارطة العالمية، رافعةً سقف أحلامها إلى آفاقٍ لم تبلغها من قبل.
⬅ العودة إلى الرياضة