أم الجمال “الواحة السوداء” تشق طريقها إلى العالمية كموقع تراثي أردني فريد
المفرق – في شمال المملكة الأردنية الهاشمية، وعلى أطراف البادية الشمالية، تبرز مدينة أم الجمال كواحدة من أهم الشواهد الحيّة على تعاقب الحضارات الإنسانية في المنطقة. هذه المدينة الأثرية، المعروفة بلقب “الواحة السوداء”، لم تعد مجرد موقع أثري محلي، بل أصبحت مشروعًا حضاريًا وسياحيًا يتجه بثبات نحو العالمية.
وتقع أم الجمال في محافظة المفرق، على بعد نحو 80 كيلومترًا شمال شرق العاصمة عمّان، وتمتاز بموقع استراتيجي جعلها عبر التاريخ نقطة وصل بين بلاد الشام والجزيرة العربية، الأمر الذي منحها أهمية تجارية وعسكرية ودينية، وأسهم في ازدهارها خلال مراحل تاريخية متعددة.
وتعود بدايات الاستيطان في أم الجمال إلى العصور النبطية، قبل أن تشهد ازدهارًا ملحوظًا خلال الحقبتين الرومانية والبيزنطية. وبلغت المدينة أوج عمرانها في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، حين تحولت إلى مدينة متكاملة تضم الكنائس، والحصون، والمنازل، والساحات العامة، كما استمر استخدامها خلال العصر الإسلامي المبكر، ما يعكس قدرتها على التكيّف مع التحولات السياسية والدينية، ويمنحها قيمة تاريخية استثنائية.
ويُعد الاعتماد شبه الكامل على حجر البازلت الأسود في البناء من أبرز ما يميّز أم الجمال، حيث أضفى هذا الحجر، المستخرج من الطبيعة البركانية المحيطة، طابعًا بصريًا فريدًا ومهيبًا على المدينة. ولا تزال العديد من المباني قائمة بجدرانها وأقواسها وأبوابها، وبعضها يصل إلى عدة طوابق، في إنجاز معماري متقدم قياسًا بعصره. كما يضم الموقع أكثر من 15 كنيسة بيزنطية، ما يعكس الأهمية الدينية التي تمتعت بها المدينة في تلك الفترة.
ولا تقتصر أهمية أم الجمال على آثارها المعمارية، بل تمتد إلى بعدها الثقافي والاجتماعي، إذ تمثل نموذجًا لتكيّف الإنسان مع بيئة قاسية، نجح خلالها السكان في استغلال الموارد المحدودة وبناء مجتمع مستقر في قلب البادية. ويؤدي المجتمع المحلي اليوم دورًا محوريًا في حماية الموقع والتعريف به، من خلال المبادرات السياحية، والحرف اليدوية، والبرامج الثقافية التي تعزز مفهوم السياحة المستدامة.
وخلال السنوات الأخيرة، حظيت أم الجمال باهتمام متزايد من الجهات الرسمية والمؤسسات الدولية، تُوّج بإدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو، أو بالسعي الجاد نحو ذلك، نظرًا لما تحمله من قيمة إنسانية ومعمارية فريدة. ويسهم هذا الاهتمام في وضع المدينة على خريطة السياحة العالمية، ويفتح آفاقًا جديدة للاستثمار الثقافي، ويعزز صورة الأردن كموطن لحضارات متعاقبة.
وتبقى أم الجمال أكثر من مجرد مدينة أثرية، فهي شاهد حي على عبقرية الإنسان الأردني القديم، وقدرة المكان على سرد قصة حضارة متكاملة من خلال الحجر. وبين سواد البازلت وبياض التاريخ، تقف “الواحة السوداء” اليوم على أعتاب العالمية، حاملة رسالة تؤكد أن الأردن ليس فقط أرض سياحة، بل أرض حضارة وهوية.
⬅ العودة إلى الأخبار