ثقافة الطعام في الأردن… هوية متجذّرة تعكس التاريخ والكرم والتنوّع
يُعدّ الطعام في الأردن أكثر من كونه وسيلة لإشباع الجوع، إذ يشكّل جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والاجتماعية، ومرآة تعكس تنوّع الجغرافيا وتعدّد البيئات بين البادية والريف والمدينة. ومن خلال المائدة الأردنية، يمكن قراءة تاريخ المجتمع وعاداته وقيمه الراسخة، وفي مقدمتها الكرم والتكافل والاحتفاء بالضيف.
وارتبطت الأطعمة الأردنية تقليديًا بالمناسبات الاجتماعية والدينية، مثل الأعراس والولائم والمناسبات الوطنية، حيث تتحول المائدة إلى مساحة للتلاقي وتعزيز الروابط بين الأفراد. ويُعد الكرم من أبرز القيم المرتبطة بالطعام، إذ يُقاس سخاء المضيف بوفرة المائدة وجودة ما يُقدَّم عليها.
المنسف… رمز وطني جامع
ويحتل المنسف مكانة خاصة في الثقافة الغذائية الأردنية، بوصفه الطبق الوطني الأول في المملكة. ويُحضَّر المنسف من لحم الضأن المطبوخ بلبن الجميد البلدي، ويُقدَّم مع الأرز أو الجريشة، ليجتمع حوله الأردنيون في مختلف المناسبات الكبرى.
ولا يمثّل المنسف مجرد وجبة غذائية، بل يُعد طقسًا اجتماعيًا متكاملًا له آدابه الخاصة، مثل الأكل وقوفًا في الولائم العامة، والتشارك من صحن واحد، في تعبير واضح عن روح الجماعة والانتماء.
تنوّع الأطعمة بين المحافظات
يعكس المطبخ الأردني تنوّعًا لافتًا بين مناطق المملكة المختلفة، وفقًا لطبيعة البيئة والموارد المتاحة.
ففي شمال الأردن، ولا سيما محافظات إربد وعجلون وجرش، تبرز الأطباق التي تعتمد على زيت الزيتون والمنتجات الزراعية، ومن أشهرها المكمورة، وهي طبق شتوي تقليدي في إربد يُحضَّر من العجين والبصل وزيت الزيتون والدجاج، إلى جانب الرشوف المعتمد على اللبن والقمح المجروش، والمجدّرة بأشكالها المتنوعة.
أما وسط الأردن، الذي يضم عمّان والسلط ومادبا، فيجمع بين الموروثين الريفي والحضري، ومن أبرز أطباقه القدرة السلطية، والصفيحة، والمناسف الصغيرة، إضافة إلى أطباق متأثرة بالتنوّع السكاني في العاصمة عمّان، ما أوجد مطبخًا متجدّدًا يمزج بين التراث والحداثة.
وفي جنوب الأردن، بما يشمل الكرك والطفيلة ومعان والعقبة، تطغى النكهات القوية والأطباق التي تناسب طبيعة الحياة الجبلية والبدوية، مثل المجللة، والزرب الذي يُعد من أشهر الأكلات البدوية، حيث يُطهى اللحم والخضار تحت الأرض، إضافة إلى أطباق تعتمد على السمن البلدي واللحوم المجففة.
وفي البادية الأردنية، يعكس الطعام بساطة الحياة وقسوة البيئة، ومن أشهر الأكلات المنسف البدوي، وخبز الشراك، والهريس، والجريشة.
الحلويات والمشروبات التقليدية
ولا تقل الحلويات أهمية عن الأطباق الرئيسية في المطبخ الأردني، ومن أبرزها اللّزاقيات، والقطايف في شهر رمضان، والهريسة في بعض المناطق. أما المشروبات التقليدية، فتتصدرها القهوة العربية بوصفها رمز الضيافة الأول، إلى جانب الشاي بالمرمية أو الزعتر، والسحلب في فصل الشتاء.
ورغم انتشار الوجبات السريعة والمطابخ العالمية، ما زال الأردنيون يحافظون على أطباقهم التراثية، خاصة في القرى والبوادي. كما شهدت السنوات الأخيرة مبادرات شبابية لإحياء المطبخ الأردني بأساليب عصرية، دون المساس بجذوره الأصيلة.
وتعكس ثقافة الطعام في الأردن تنوّع المجتمع ووحدة هويته في آن واحد، فمن الشمال إلى الجنوب، ومن الريف إلى البادية، تتغيّر المكوّنات وتبقى القيم ثابتة: الكرم، والبساطة، والمشاركة. وهكذا تظل المائدة الأردنية سجلًا حيًا للذاكرة الشعبية، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر، ومعبّرًا صادقًا عن روح الوطن.
⬅ العودة إلى القصص الصحفية